عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

157

اللباب في علوم الكتاب

قال الحسن : بين دعوة السّرّ ، ودعوة العلانية سبعون ضعفا « 1 » ، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدّعاء ، وما يسمع لهم صوت ، إلّا همسا بينهم وبين ربهم ، وذلك أنّ اللّه يقول : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ، وإنّ اللّه ذكر عبده زكريا ، ورضي فعله فقال : إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا [ مريم : 3 ] . وقال عليه الصّلاة والسّلام : « دعوة السّرّ تعدل سبعين دعوة في العلانية » « 2 » ، وقال عليه الصّلاة والسّلام : « خير الذّكر الخفيّ » « 3 » وروى أبو موسى الأشعريّ - رضي اللّه عنه - أنّهم كانوا في غزاة فأشرفوا على واد فجعلوا يكبّرون ويهلّلون رافعي أصواتهم ، فقال عليه الصّلاة والسّلام : « اربعوا على أنفسكم فإنّكم لا تدعون أصمّ ، ولا غائبا ، إنّكم تدعون سميعا قريبا وإنّه لمعكم » « 4 » . واختلفوا في أنّ الأفضل الدّعاء خفية ، أو علانية ؟ فقيل : الإخفاء أفضل لهذه الآية ولقوله تعالى : إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا [ مريم : 3 ] ، ولما تقدّم ، ولأنّه مصون عن الرياء . وقال آخرون : العلانية أفضل ؛ لترغيب الغير في الاقتداء به . وقال آخرون : إن خاف على نفسه الرّياء ؛ فالإخفاء أفضل وإلّا فالعلانية . فصل في بيان شبهة منكري الدعاء من النّاس من أنكر الدّعاء ، واحتج على صحّة قوله بوجوه : الأول : أنّ المطلوب بالدّعاء إن كان معلوم الوقوع ، كان واجب الوقوع ؛ لامتناع وقوع التّغير في علم اللّه تعالى ، وما كان واجب الوقوع لم يكن في طلبه فائدة ، وإن كان معلوم اللاوقوع ؛ كان ممتنع الوقوع فلا فائدة في طلبه أيضا « 5 » . الثاني : أنّه تعالى : إن كان قد أراد في الأزل إحداث ذلك الشيء فهو حاصل سواء كان هذا الدّعاء أو لم يكن ، وإن كان أراد في الأزل ألّا يعطيه ، فهو ممتنع الوقوع ، فلا فائدة في الطّلب ، وإن قلنا : إنّه ما أراد في الأزل ذلك الشيء لا وجوده ولا عدمه ، ثم إنّه

--> ( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 14 / 107 ) . ( 2 ) ذكره الهندي في « كنز العمال » ( 2 / 75 ) رقم ( 3196 ) وعزاه لأبي الشيخ في « الثواب » . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 1 / 187 ) وعبد بن حميد ( 137 ) وأبو يعلى ( 2 / 81 - 82 ) رقم ( 137 ) وابن حبان ( 2323 - موارد ) عن سعد بن أبي وقاص . ( 4 ) أخرجه البخاري 7 / 537 كتاب المغازي : باب غزوة خيبر ( 4205 ) وكتاب الدعوات 11 / 217 باب قول لا حول ولا قوة إلا باللّه ( 6409 ) وأيضا كتاب الدعوات 11 / 191 ) باب الدعاء إذا علا عقبة ( 6384 ) وكتاب التوحيد ( 13 / 384 ) باب وكان اللّه سميعا بصيرا ( 7386 ) وأخرجه مسلم كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار 5 / 2076 باب استحباب خفض الصوت بالذكر ( 44 - 2704 ) . ( 5 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 104 .